صفي الرحمان مباركفوري

261

الرحيق المختوم

ومما لا شك فيه أن غزوة حمراء الأسد ليست بغزوة مستقلة ، إنما هي جزء من غزوة أحد وتتمة لها ، وصفحة من صفحاتها . تلك هي غزوة أحد بجميع مراحلها وتفاصيلها ، وطالما بحث الباحثون حول مصير هذه الغزوة ، هل كانت هزيمة أم لا ؟ والذي لا يشك فيه أن التفوق العسكري في الصفحة الثانية من القتال كان للمشركين ، وأنهم كانوا مسيطرين على ساحة القتال ، وأن خسارة الأرواح والنفوس كانت في جانب المسلمين أكثر وأفدح ، وأن طائفة من المؤمنين انهزمت قطعا ، وأن دفة القتال جرت لصالح الجيش المكي ، لكن هناك أمورا تمنعنا أن نعبر عن كل ذلك بالنصر والفتح . فمما لا شك فيه أن الجيش المكي لم يستطع احتلال معسكر المسلمين ، وأن المقدار الكبير من الجيش المدني لم يلتجئ إلى الفرار - مع الارتباك الشديد والفوضى العامة - بل قاوم بالبسالة حتى تجمع حول مقر قيادته ، وأن كفته لم تسقط إلى حد أن يطارده الجيش المكي ، وأن أحدا من جيش المدينة لم يقع في أسر الكفار ، وأن الكفار لم يحصلوا على شيء من غنائم المسلمين ، وأن الكفار لم يقوموا إلى الصفحة الثالثة من القتال مع أن جيش المسلمين لم يزل في معسكره ، وأنهم لم يقيموا بساحة القتال يوما أو يومين أو ثلاثة أيام - كما هو دأب الفاتحين في ذلك الزمان - بل سارعوا إلى الانسحاب وترك ساحة القتال ، قبل أن يتركها المسلمون ، ولم يجترئوا على الدخول في المدينة لنهب الذراري والأموال ، مع أنها على بعد عدة خطوات فحسب ، وكانت مفتوحة وخالية تماما . كل ذلك يؤكد لنا أن ما حصل لقريش لم يكن أكثر من أنهم وجدوا فرصة ، نجحوا فيها بإلحاق الخسائر الفادحة بالمسلمين ، مع الفشل فيما كانوا يهدفون إليه من إبادة الجيش الإسلامي بعد عمل التطويق - وكثيرا ما يلقى الفاتحون بمثل هذه الخسائر التي نالها المسلمون - أما أن ذلك كان نصرا وفتحا فكلا وحاشا . بل يؤكد لنا تعجيل أبي سفيان في الانسحاب والانصراف ، أنه كان يخاف على جيشه المعرة والهزيمة لو جرت صفحة ثالثة من القتال ، ويزداد ذلك تأكدا حين ننظر إلى موقف أبي سفيان من غزوة حمراء الأسد . وإذن فهذه الغزوة إنما كانت حربا غير منفصلة ، أخذ كل فريق بقسطه ونصيبه من النجاح والخسارة ، ثم حاد كل منهما عن القتال ، من غير أن يفر عن ساحة القتال ويترك مقره لاحتلال العدو ، وهذا هو معنى الحرب غير المنفصلة . وإلى هذا يشير قوله تعالى :